عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
27
معارج التفكر ودقائق التدبر
لكنّه إذا أراد أن يتلو السّورة فعليه أن يتلوها كما أنزلها اللّه . ويتحذلق بعض المتحذلقين ، ويتنطّع متفلسفا على كتاب اللّه عزّ وجلّ فيقول : ما معنى أن نقول في السّور المبدوءة ب ( قل ) : ( قل ) واللّه قد أمر بأن نقول ما جاء بعد كلمة ( قل ) وكان ينبغي أن نتلو مباشرة أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ و أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ و اللَّهُ أَحَدٌ و يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ . وجواب هذا المتحذلق المتنطّع أن نقول له : إنّ كلمة ( قل ) في هذه السّور هي جزء من كلّ منها ، ولو حذفناها لم نعلم أنّ اللّه يأمرنا في كتابه على الدّوام بأن نحقّق المطلوب بهذا الأمر . ولو أسقطنا كلمة ( قل ) عند التلاوة فإنّنا لا نكون قد تلونا السّورة كاملة ، بل ناقصة كلمة ( قل ) ونحن نعلم أنّ القرآن يتعبّد بتلاوته كما أنزل ، ، فليس من حقّنا أن نحذف أيّ حرف أو كلمة منه لدى تلاوته ، ونحن عالمون ، عامدون لأنّه من التحريف في كتاب اللّه ، حتّى ما جاء في أوائل السّور من الحروف المقطّعة التي نقول بشأنها : اللّه أعلم بمراده ، مثل : ( ن ) و ( ق ) و ( ص ) . لكن إذا أردنا أن نحقّق المطلوب بما أمرنا اللّه به بكلمة ( قل ) دون أن نقصد تلاوة السورة فلا مانع من حذف كلمة ( قل ) وخير من ذلك تلاوة السورة كاملة مع نيّة تحقيق المطلوب . إنّ آيات القرآن المجيد دستور تعليميّ للناس في كلّ عصورهم ، وفي كلّ أحوالهم ، وهذا الدستور لا بدّ أن يبقى كلّ أمر فيه على وجهه كما أنزل ، وكذلك كلّ نهي ، وكلّ استفهام ، وكلّ خبر ، وكلّ حرف وكلمة . ومادّة الدستور يجب أن تقرأ كما هي في صلبه ، ولو كانت مبدوءة برقم أو بحرف ، وهذا ما يلتزم به القانونيّون في القوانين والدّساتير ، وأيّ تغيير يعتبرونه تحريفا وتزييفا في عرفهم ، فما بال المتحذلق يتفاصح على كتاب اللّه عزّ وجلّ بحماقة أو بغير علم ، أو بمكر وكيد .